
نظم مجلس اللسان العربي بموريتانيا صباح السبت 28 ربيع الآخر 1448هج / 10 اكتوبر 2026غ حفلا بهيجا لتكريم فرسان الضاد للسنة الدراسية 2025-2026غ.
وقد تضمن الحفل الذي احتضنته قاعة الندوات بمقر جهة انواكشوط تكريم التلاميذ المتفوقين في مادة اللغة العربية في مختلف المسابقات والشهادات الوطنية.
ويتعلق الأمر بالأوائل الحائزين على أكبر معدل في مادة اللغة العربية في مسابقتي ختم الدروس الابتدائية وختم الدروس الاعدادية وشهادة الثانوية العامة (الباكولوريا) بمختلف شعبها، وذلك على المستوى الوطني.
وشمل التكريم تقديم شهادات تقدير وجوائز مادية تشجيعية.
حضر هذا الحفل الذي جرى تحت رعاية وزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي سعادة الأمين العام للوزارة الأستاذ صدفي سيدي محمد والشيخ الخليل النحوي رئيس مجلس اللسان العربي بموريتانيا، وعدد من المسؤولين في القطاع التربوي وممثلة جهة انواكشوط، وعدد من أولياء أمور المكرمين والأساتذة المهتمين، وبعض اعضاء ديوان مجلس اللسان العربي.
وقد ابتدأ الحفل بتلاوة من الذكر الحكيم من حفظ أحد التلاميذ المكرمين.
وألقى الشيخ الخليل النحوي رئيس مجلس اللسان العربي خطاب الافتتاح تقدم في مستهله بالشكر لوزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي التي رعت هذا الحفل البهي ووفرت مصالحها المعلومات التي أتاحت التعرف على هؤلاء الفرسان.
كما شكرالمعهد التربوي الوطني، وجهة نواكشوط، والمجلس الأعلى للتهذيب على مشاركتهم في تنظيم وإنجاح هذا النشاط، قبل أم يتوجه بالتهنئة إلى فرسان الضاد، وأولياء أمورهم، ومدارسهم ومدرسيهم، والطو اقم التربوية والإدارية التي حضرت هذا الحفل البهيج.
وفيما يلي نص الخطاب الافتتاحي الذي ألقاه رئيس مجلس اللسان العربي الشيخ الخليل النحوي:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد المعلم الأول حقا القائل: «إنما بعثت معلما».
هنيئا، وشكرا لكم أيها الفرسان، لأنكم آمنتم بلغتكم وأحببتموها وجعلتموها مطية للنجاح والتفوق والتألق. إننا نحيي من هذا المنبر كل أبنائنا وبناتنا التلاميذ، ونهنئ المتفوقين بنظام المعدل العام، بل ونحيي كل متفوق متألق في أي مادة دراسية مقررة، ونعتبر أن تكريم رئيس الجمهورية لبراعمنا وأشبالنا المتفوقين في الرياضيات والعلوم وفي الدراسات المحضرية سنة حسنة ينبغي أن نعض عليها بالنواجذ ونعمل على الاستئناس بها في تكريم المتفوقين في أي مادة دراسية ذات بال.
إن من الحيف في النظام التربوي الدولي السائد اعتماده غالبا على نظام "المعدل العام"، و إقصاؤه التلميذ بسبب مادة أومادتين، وما يدريك لعله بارع في مادة أومواد أخرى.
هناك أسئلة قلقة ينبغي أن نمتلك الجرأة على طرحها، ونحن نقطع خطواتنا الأولى في طريق جديد من الطرق المتعددة التي جربناها لإصلاح منظومتنا التربوية. لماذا نحبط عمل الطفل ونتجاهل نجاحه في مادة ما لأنه فشل في غيرها؟ لماذا لا نركز على نجاحه فيما نجح فيه، ونفتح له بالأمل طريق العمل؟ ماذا لو كان الخليل بن أحمد بيننا اليوم فشهرنا عليه سيف المعدل العام، وقلنا له: لا يجوز لك أن تكون لغويا أو نحويا أو عروضيا إلا إذا حققت المعدل أو أعلى منه في خمس عشرة مادة أخرى؟ ماذا لو قلنا لسيبويه: لا يمكن أن تتصدر بالنحو واللسانيات إلا إذا نجحت في امتحان التاريخ والجغر افيا أو الفيزياء والكيمياء؟ ماذا لوقلنا لورش أو قالون أو إمامهما نافع: أين كشف درجاتك وأين معدلك العام؟!
لماذا نطبق على فلذات أكبادنا في منهاجنا الدراس ي ونظام تقويمنا التعليمي قانون البطارية المعطلة؟
دعونا نصوب نظرنا، كلما أمكن، نحو نجاح الطفل والبنت فيما نجحا فيه، ونفتح له بذلك طريقا جددا للمضي قدما...
اليوم في يوم الضاد هذا نريد أن نضرب مثلا ملموسا، بتنظيم حفل تكريم رمزي للغاية لمن تفوقوا حصرا في مادة اللغة العربية في الامتحانات الوطنية المتوجة للمراحل الثلاثة. لقد خضنا سابقا تجربة مماثلة على عينة شاهدة من مؤسساتنا الثانوية في نواكشوط، واليوم نخوض هذه التجربة على المستوى الوطني، لنهنئ معا أبناءنا وبناتنا الذين سجلوا هدفا قياسيا في مادة اللغة العربية، من منطلق أن التألق في أي مادة دراسية ينبغي أن يكون محل عناية وتقدير، أحرى إذا كانت هذه المادة لغتنا؛ فلها من الحق ما لغيرها من المواد، وزيادة، ليس فقط لأنها لغة الوحيين، وحسبها ذلك، ولكن أيضا لأنها عنوان هويتنا ومستودع تراثنا وتاريخنا،
وحضنها الجامع، أو هكذا ينبغي أن تكون أم المواد الدراسية ومجلى إبداعنا الأكبر، ولأنها تكون...
قديما قال الشافعي: "من تبحّر في النحو اهتدى إلى جميع العلوم"، وقال الفراء على ذلك النحو: " قلّ رجل أنعم النظر في العربية وأراد علما غيره إلّا سهل عليه." وكان أبو عبد اللـه الجَرْمي يفتي في الفقه من كتاب سيبويه.
واليوم تؤكد الدراسات المعاصرة أن تعلم العلوم باللغة الأم، وقريب منها لغة الأمة عندنا، معين على استيعاب العلوم والتمكن من ناصيتها. ولدينا شواهد إحصائية من تفوق طلبة المحاضر عندنا في الدراسات النظامية عندما يلتحقون بها؛ بل ومن تفوق طلبة المدارس العربية الإسلامية في عدد من الدول الإفريقية غير العربية حتى إنهم لينافسون نظراءهم الذين درسوا حصرا بالفرنسية أو الإنجليزية، ويتفوقون عليهم أحيانا في الفرنسية والإنجليزية وفي العلوم والرياضيات.
وقد استنطقنا بشكل سريع عينة الأوائل التي وفرتها لنا الوزارة مشكورة، ولا يمكن أن نصدر عن هذه العينة وهي نحو 110 من المتفوقين في اللغة العربية في ختام المرحلة الابتدائية، ونحو 44 من نظرائهم في شهادتي الإعدادية والبكالوريا. ومن المؤكد أن استنطاق هذه العينة المحدودة في عام واحد، وفي مستويات مختلفة، وبيئات مختلفة أيضا، لا يمكن أن يبنى عليه استنتاج علمي ذو بال. لكننا نود أن نشارككم بعض الخلاصات التي وصلنا إليها من النظر في هذه العينة:
مثلت البنات نسبة %44 من العينة المدروسة من المتفوقين في العبور إلى المرحلة الإعدادية. ومن هؤلاء خمس بنات نلن العلمة الكاملة.
تصدرت نواكشوط الغربية الولايات ب17 متفوقا، تلتها مباشرة غيديماغا ب 10 متفوقين. وكان من اللافت ورود أسماء خمسة تلاميذ من مدرستنا في باماكو ضمن المتفوقين.
وبالنظر إلى المؤسسات التعليمية، تصدرت مدرستنا في باماكو القائمة، بوجود 5 من تلامذتها ضمن المتفوقين في اللغة العربية.
وعلى مستوى شهادة ختم الإعدادية تصدرت فتاتان الأوائل في مادة اللغة العربية، فكانت إحداهما الأولى في الشعبة الموحدة بعلامة كاملة، وكانت الأخرى الأولى في شعبة اللغات.
وعلى مستوى شهادة البكالوريا كان من الطبيعي أن تحرز شعبة الآداب الأصلية قصب السبق ب 5 أفراد مما مجموعه 34 متفوقا في الشعب كلها، لكنها لم تنفرد بهذا الإنجاز فقد شاركتها فيه بالعدد عينه شعبة الآداب/ اللغات وشعبة الرياضيات والهندسة الميكانيكية.
أما بالنظر إلى الولايات، فقد تصدرت ولاية نواكشوط الغربية بفارق كبير القائمة بانتماء 17 متفوقا إليها.
وبالنظر إلى متوسط المعدل العام في اللغة العربية في شهادة البكالوريا بمختلف شعبها، كان أعلى متوسط من نصيب شعبتي الرياضيات والعلوم.
ولا تكشف المقارنة بين الدرجة في اللغة العربية وبين المعدل العام عن معامل ارتباط إيجابي جلي، ولذلك أسباب ينبغي أن تدرس، لكن من الملاحظ أنه لا أحد من المتفوقين في اللغة العربية في شعب البكالوريا حصل على معدل عام أقل من 20/10 بينما نلحظ أن أغلبيتهم حصلت على معدل عام يتراوح بين 13 و.17.11 وبالرغم من أن هناك مواد ذات ثقل في ميزان التقويم لا تدرس بالعربية، فإن بالإمكان، ولو مؤقتا، أن نستصحب ما أفضت إليه دراسات معاصرة وشهادات قديمة من أن إتقان اللغة العربية معين على إتقان بقية العلوم والمعارف. ويبقى الغرض الأساسي من عرض الخلاصات الجزئية المذكورة التنبيه إلى منافسة البنات للبنين في فروسية الضاد، وحسن أداء بعض مؤسساتنا المدرسية في الخارج، والهدف الأهم هو دعوة المجلس الأعلى للتهذيب والوزارة وأولي الاختصاص لاستنطاق النتائج في نطاق كمي أوسع وزمني أطول وباستحضار جميع المعطيات والمؤشرات ذات الصلة، للوصول إلى خلاصات علمية دقيقة ربما تنير لنا بعض سبل الإصلاح الذي ننشده.
أبنائي بناتي فرسان الضاد
لقد انطلقنا من البيانات التي قدمتها لنا وزارة التربية مشكورة، وكان أيسر استغلال لها أن نحدد الأوائل لنعمل معا على تكريمهم أدبيا ومعنويا تكريما حضوريا قدر الإمكان. وبالنظر في مسابقة دخول الإعدادية، وجدنا 13 فردا، منهم 5 بنات، حصل كل منهم على العلامة الكاملة في اللغة العربية، وهم يتوزعون بين غيديماغا صاحبة أكبر عدد من المتفوقين، وولايات نواكشوط الثلاث وداخلت نواذيبو والترارزة وتيرس زمور ولبراكنة والحوض الشرقي. ولتعادل هؤلاء الثلاثة عشر لجأنا إلى معيار فرز إضافي هو المعدل العام وبه رتبنا الثلاثة الأوائل، وكان هذا تمييزا إيجابيا لهذه المرحلة، لأنها المنطلق والأساس ولأن قاعدتها الكمية أوسع بكثير من القاعدة الكمية لشهادتي الإعدادية والبكالوريا التي اقتصرنا على تكريم الأول في كل شعبة من شعبهما، ولم يحدث من التعادل في الدرجات ما يربك هذا المعيار، إلا في شعبة من شعب البكالوريا، تعادل فيها اثنان بحصولهما على الدرجة العليا المسجلة في اللغة العربية، وعندئذ لجأنا إلى المعدل العام، لتحديد ترتيب كل منهما، ورأينا من الإنصاف أن يكرما معا.
ونود هنا أن نعلن أن تكريم هؤلاء هو تكريم لكل الأوائل الذين تفوقوا في مادة اللغة العربية وكانوا جميعا فرسانها المجلين. إنه تكريم أيضا لأولياء الأمور وللمدرسين ولسائر أفراد الطاقم الإداري والتربوي الذين كان لكل منهم إسهام ما في النتائج التي حصلتم عليها أيها الفرسان.
ولعل سؤالا ما يدور الآن في الأذهان: ما طبيعة التكريم؟ لا نستطيع أن نقول لكم: الجواب ما ترون لا ما تسمعون حتى لا تفاجؤوا بضآلة ما سترون...
التكريم حقيقة ليس لكم وإنما هو لأنفسنا، أن تقر أعيننا برؤيتكم وأن نعانق فيكم صورة متألقة لجيلنا الصاعد ولشباب وطننا الناهض. أن نصافحكم من قرب وأن نقول لكم من قرب: شكرا لكم لأنكم شرفتمونا جميعا ورفعتم رؤوسنا جميعا، ثم إن تكريمكم إن كان إليه من سبيل لا يكون إلا بالسلعة الغالية التي تفوقتم بها، سلعة العلم والمعرفة. وهنا نتوجه بالشكر إلى الوزارة التي ساهمت مساهمة مقدرة باقتناء عينات من مواد التكريم، لعل أهمها ما يمكن أن يعين أولئك الذين وقفوا منكم على عتبة التعليم العالي في مهمات البحث. وشكرا بالمناسبة أيضا للمعهد التربوي الوطني الذي يساهم في التكريم ببعض الكتب المدرسية وغير المدرسية لمن لم يختموا بعد أسلاك التعليم العام، وسيقدم إليكم أيضا بعض ما خف حمله وغلا ثمنه ولم يكن ذهبا ولا فضة لكنه أثمن منهما. إنه سلعة معرفية، بطاقة خفيفة تعطيكم مفتاحا للولوج إلى عالم من المعارف اللغوية، هو عالم المعجم التاريخي للغة العربية، وهو معجم صدر في 127 مجلدا برعاية من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، وبمشاركة واسعة من أساتذة وآباء وأمهات لكم من أهل وطنكم، وطننا الغالي موريتانيا..
ولعل من أهم ضروب التكريم وأنتم تستهلون عاما دراسيا جديدا أن نتابع وإياكم أثناء هذا الحفل درسا افتتاحيا نموذجيا وجيزا يقدمه الدكتور إبراهيم بن محمد بن الشيخ سيديا وهو مرجع ضليع في اللغة العربية وفي الإنجليزية وفي معارف أخرى صال وجال بها سفيرا للثقافة الشنقيطية في عدد من البلدان، ثم عاد إلى الوطن، فمرحبا به وأهلا وسهلا، وشكرا على تشريفنا بالحضور والمحاضرة التي سنتابعها قريبا إن شاء اللـه.
أبنائي وبناتي فرسان الضاد
نريد، وأمام كل منكم، مسار دراسي ثم مهني ندعو اللـه أن يكون حافلا بالنجاح، أن نهنئكم على ما حققتم باللغة العربية من فوز، وندعوكم إلى استثمار الكنز الذي تحملونه خير استثمار.
تذكروا أن اللغة العربية كانت وينبغي أن تكون اليوم وأن تظل لغة علم وحضارة. تذكروا أنها اللغة التي وضع بها الخوارزمي أسس علم الجبر، ومن اسمه اشتقت اللوغاريتمات )الخوارزميات)، وبها أسس ابن الهيثم علم البصريات، وبها ألف ابن سينا القانون، أهم مرجع في الطب كان يدرس في أوربا خلال ما يعرف بالقرون الوسطى، وبها تحدث ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى، وبها وضع بديع الزمان الجزري أسس الميكانيكا الحديثة. وبها اخترع الزهراوي الأدوات الجراحية. وبها كان جابر بن حيان أبا الكيمياء، وبها برع البيروني في الجغر افيا والرياضيات، وبها قرب الرازي وابن البيطار علم الصيدلة، وجعله علما مستقلا، وبها رسم الإدريسي أدق خريطة للعالم القديم. وقديما كان الأوربيون يقولون: "من لا يعرف العربية لا يعرف العلم". وعليكم أنتم اليوم، أجيال الغد، أن تعيدوا إلى العربية وبها سالف مجدها، وأن ترفعوا عنها ظلم أهلها الذين هجروها لعيب فيهم لا فيها، وقد قيل قديما:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *على النفس من وقع الحسام المهند
أتمنى لكم سنة دراسية موفقة، ومسارا تعليميا وتربويا وبحثيا ومهنيا ناجحا. وفقكم اللـه وسدد خطاكم
بعد ذلك ألقى سعادة الأمين العام لوزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي صدفي سيدي محمد خطابا عبر في مستهله عن سعادته باللقاء "في هذا المقام البهي، الذي يجمعنا احتفاءً باللغة العربية، واحتفاءً بأبنائنا وبناتنا المتفوقين فيها، في مبادرة كريمة ينظمها مجلس اللسان العربي بموريتانيا، ويجد فيها قطاع التربية وإصلاح النظام التعليمي مناسبةً لتجديد التأكيد على أن التفوق لا ينبغي أن يمر عابرًا، وأن الاجتهاد حين يبلغ غايته يستحق أن يُرى ويُحتفى به ويُجعل قدوةً للأجيال".
وقال "إن العربية ليست لغةَ قصيدةٍ تُنشَد، ولا خطبةٍ تُلقى، ولا تراثٍ يُصان في الرفوف؛ إنها لغةٌ صنعت، في مرحلة مضيئة من تاريخ الإنسانية، مجدًا علميًا امتد أثره من المشرق إلى المغرب، وأضاءت مصابيحها دروب المعرفة حين كانت عتمة الجهل تضرب بظلامها في آفاق واسعة من العالم".
وكانت فارسة الضاد التلميذة زينب ممدو با قد ألقت كلمة فرسان الضاد المكرمين أعربت فيها عن امتنانهم لمجلس اللسان العربي بموريتانيا على هذه المبادرة الكريمة التي من شأنها أن تشحذ هممهم وهمم زملائهم وتحفزهم إلى مزيد من التفوق والتعلق بلغة الضاد.
وبعد تكريم فرسان الضاد بتسليمهم شهادات تقدير وهدايا نقدية وعينية تشجيعية بمعية أولياء أمورهم، استمع الحضور إلى درس نموذجي افتتاحي قدمه الدكتور إبراهيم بن محمد بن الشيخ سيديا ركز فيه على أحكام كتابة الهمزة المتوسطة، مقدما تجربة شخصية نعبر عن أهمية وفوائد إتقان اللغة العربية ومعرفة أساليبها البيانية.
وفيما يلي النص الكامل لخطاب سعادة الأمين العام لوزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي، التي ينظم مجلس اللسان العربي هذا النشاط تحت إِشرافها:
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين،
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
السادة والسيدات،
أيها الحضور الكريم،
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
يسعدني، ويطيب لي، أن ألتقي بكم اليوم في هذا المقام البهي، الذي يجمعنا احتفاءً باللغة العربية، واحتفاءً بأبنائنا وبناتنا المتفوقين فيها، في مبادرة كريمة ينظمها مجلس اللسان العربي بموريتانيا، ويجد فيها قطاع التربية وإصلاح النظام التعليمي مناسبةً لتجديد التأكيد على أن التفوق لا ينبغي أن يمر عابرًا، وأن الاجتهاد حين يبلغ غايته يستحق أن يُرى ويُحتفى به ويُجعل قدوةً للأجيال.
إن اجتماعنا اليوم ليس مجرد حفل لتوزيع شهادات أو تكريم أسماء متفوقة؛ وإنما هو، في جوهره، احتفاءٌ بقيمة العلم، وانتصارٌ لثقافة الاجتهاد، ورسالةٌ إلى أبنائنا وبناتنا بأن طريق التميز يبدأ بخطوة، وأن الأمم لا تبني مستقبلها إلا حين تجعل من العلم والتعلم والاجتهاد فضائلَ عامة، ومن التفوق شأنًا يستحق التقدير.
أيها الحضور الكريم،
وإذا كان لنا اليوم أن نحتفي باللغة العربية، فليس من باب الاحتفاء بلغةٍ من بين اللغات فحسب، وإنما احتفاءٌ بلغةٍ اختارها الله لكتابه، فأنزل بها قرآنًا عربيًّا مبينًا، وجعلها وعاءً لوحيه، ولسانًا لرسالته، وحاملةً من محامل الهداية والبيان.
إنها لغةٌ إذا ضمّت حروفها إلى بعضها، ضمّت بين جنبيها تاريخ أمة، وذاكرة حضارة، وميراثًا من الفكر والأدب والعلم، لا يزال حيًّا في وجدان الإنسانية.
إن العربية ليست لغةَ قصيدةٍ تُنشَد، ولا خطبةٍ تُلقى، ولا تراثٍ يُصان في الرفوف؛ إنها لغةٌ صنعت، في مرحلة مضيئة من تاريخ الإنسانية، مجدًا علميًا امتد أثره من المشرق إلى المغرب، وأضاءت مصابيحها دروب المعرفة حين كانت عتمة الجهل تضرب بظلامها في آفاق واسعة من العالم.
وبها كتب العلماء، وفي رحابها نشأت مدارس العلم، وعلى موائدها نضجت الفلسفة والطب والفلك والرياضيات والكيمياء والبصريات والجغرافيا؛ ثم انتقلت ثمار ذلك العطاء إلى حضارات أخرى، فكانت العربية جسرًا عبرت عليه المعارف، ونافذةً أطل منها العالم على كنوز من العلم كانت مغمورة.
أيها الأبناء والبنات، يا أوائل العربية وفرسانها،
تأسيسا على ما سبق فإنكم اليوم لا تُكرَّمون لأنكم حفظتم قواعد اللغة أو أتقنتم أساليبها فحسب، وإنما لأنكم تمثلون امتدادًا حيًّا لمسيرة طويلة من العناية بهذه اللغة، ولأنكم تحملون مسؤولية أن تجعلوا من العربية لغةً للحياة كما كانت لغةً للحضارة.
فلا تجعلوا صلتكم بها صلةَ وارثٍ يعتز بما ورث، بل صلةَ صانعٍ يؤمن بما يصنع؛ ولا تجعلوا فخرَكم بها وقوفًا عند أمجاد الماضي، بل اجعلوه عهدًا على صناعة حاضرٍ يليق بعراقتها، وبناء مستقبلٍ يليق بمكانتها، واستئناف مسيرتها لتظل العربية لغةَ علمٍ وحضارة، ولسانَ مجدٍ يتجدد، ورسالةَ أمةٍ لا تنقطع.
ومن هنا، فإن اجتماعنا اليوم يكتسب معنى يتجاوز لحظة الاحتفال؛ لأن تكريم المتفوقين في اللغة العربية هو، في أحد أبعاده، تكريم للعلم، وتكريم للمدرسة، وتكريم للمعلم، وتكريم لقيمة الاجتهاد التي نريد لها أن تصبح ثقافةً راسخة في مجتمعنا.
أيها الحضور الكريم،
إن إشراف وزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي على هذا الحفل الذي يقيمه مجلس اللسان العربي بموريتانيا ليس أمرًا عابرًا؛ لأن المؤسسات وإن اختلفت أدوارها وتنوعت مجالات عملها، تلتقي في غاية واحدة والغاية هنا هي: أن نجعل من المدرسة فضاءً للعلم، ومن اللغة أداةً للمعرفة، ومن التفوق قيمةً اجتماعيةً تجد من يكرمها ويشجعها ويصون أثرها.
ومن هنا، فإن تكريم المتفوقين في اللغة العربية يبعث برسالة واضحة إلى جميع المتعلمين:
أن من جدّ وجد، وأن من أخلص للعلم وجد في وطنه من يقدّر جهده ويحتفي بإنجازه.
أيها الحضور الكريم،
لقد أصبحت ثقافة التكريم والاحتفاء بالمتفوقين عنوانًا بارزًا في مسار بلادنا، وهي ثقافة تجد سندها القوي في العناية التي يوليها صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني للعلم وأهله، وفي حرصه على أن يكون التفوق العلمي والتميز في مختلف المجالات محل تقدير واحتفاء.
ولعل جوائز رئيس الجمهورية التي أصبحت موعدًا سنويًا ينتظره المتفوقون، وموسمًا وطنيًا للاحتفاء بالتميز في مختلف مجالات العلم والمعرفة، خير شاهد على هذا التوجه؛ فقد تحولت هذه الجوائز إلى مرجع وطني للتحفيز، وإلى رسالة عملية مفادها أن الدولة ترى في المتفوقين ثروةً وطنية، وأن تكريمهم ليس مجاملةً عابرة، وإنما استثمارٌ في الإنسان، وتحفيزٌ على مزيد من البذل والعطاء.
وإننا في وزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي، ونحن نعمل على بناء مدرسة جمهورية أكثر جودةً وإنصافًا وارتباطًا بقيم العلم والمعرفة، ندرك أن إصلاح التعليم لا يكتمل بتطوير المناهج والبنى والوسائل وحدها، وإنما يحتاج كذلك إلى بناء ثقافة مدرسية واجتماعية ترفع من شأن العلم، وتكافئ الاجتهاد، وتحتفي بالتميز.
ومن هذا المنطلق، فإن كل مبادرة تضع المتفوقين في دائرة الضوء، وتقدمهم نموذجًا لأقرانهم، هي لبنةٌ في بناء هذه الثقافة.
أبنائي وبناتي المتفوقين،
إن هذا التكريم الذي تنالونه اليوم ليس نهاية الطريق، بل هو بداية لمسؤولية جديدة.
لقد أثبتم أنكم قادرون على التميز، والمطلوب منكم أن تجعلوا من هذا التميز بدايةً لمسيرة أطول في العلم والمعرفة وخدمة الوطن.
كونوا كما يتطلع إليكم وطنكم: متعلمين نهمين، وباحثين عن المعرفة، معتزين بلغتكم وهويتكم، منفتحين في الوقت نفسه على لغات العالم وعلومه وآفاقه.
واعلموا أن اللغة العربية لا تحتاج إلى من يكتفي بالاحتفاء بها، وإنما تحتاج إلى من يبدع بها، ويقرأ بها، ويكتب بها، ويجعلها لغةً حيةً للعلم والفكر والإبداع.
وبهذه المناسبة فإني أتوجه بخالص التقدير وعظيم الامتنان إلى الآباء والأمهات والأساتذة والمربين الذين وقفوا وراء هذا النجاح؛ فكل متفوق يقف خلفه جهدٌ تربوي، ودعمٌ أسري، ومعلمٌ آمن بقدرات تلميذه، وبيئةٌ شجعته على أن يكون الأفضل.
وإلى مجلس اللسان العربي بموريتانيا، نتوجه بخالص الشكر وعظيم التقدير، على ما يبذله من جهود مشهودة في خدمة اللغة العربية، والدفاع عن مكانتها، وتعزيز حضورها في فضائنا الثقافي والتعليمي. ونخصّه بالتقدير على مبادرته الرائدة في تكريم المتفوقين في اللغة العربية، إذ كان له قصب السبق في إطلاق هذه المبادرة النبيلة، التي جعلت من الاحتفاء بالمتفوقين مناسبةً لتكريم العلم وأهله، وتجديد الصلة بين اللغة والتميز، وبين المعرفة والمسؤولية، وبين التفوق الفردي ورسالة النهوض باللغة العربية وخدمتها. وهي مبادرةٌ جديرة بالتنويه، لأنها لا تكتفي بالاحتفاء بالمتفوقين، بل تحفّز على التفوق، وتغرس في نفوس الناشئة الاعتزاز بلغة القرآن، والإيمان بأن خدمة العربية ليست وفاءً للماضي فحسب، بل إسهامٌ في صناعة المستقبل.
أيها الحضور الكريم،
إن الأمم التي تعرف كيف تكرم المتميزين من أبنائها أبناءها المتفوقين، تعرف كيف تصنع قدوتها.
وإن الأمة التي تجعل من العلم طريقًا للرفعة، ومن الاجتهاد سبيلًا للتقدير، ومن التفوق مصدرًا للفخر، إنما تبني مستقبلها بثقة وثبات.
فلنواصل جميعًا ترسيخ هذه الثقافة؛ ثقافةً تجعل من كل نجاحٍ قصةً تُروى، ومن كل متفوقٍ قدوةً تُحتذى، ومن كل مجتهدٍ مشروعَ أملٍ لوطنه.
وفي الختام، أبارك لأبنائنا وبناتنا هذا التكريم المستحق، وأتمنى لهم مزيدًا من النجاح والتألق، وأجدد الشكر لمجلس اللسان العربي، ولكل من أسهم في تنظيم هذا الحفل وإنجاحه.
أسأل الله أن يبارك في أبنائنا وبناتنا، وأن يفتح لهم أبواب العلم والمعرفة، وأن يجعلهم ذخراً لوطنهم، وأن يحفظ لموريتانيا لغتها وهويتها، ويقودها بعلم أبنائها إلى مدارج الرقي والازدهار.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.




