الشيخ أبو طاهر مصباح وأثره في نهضة اللغة العربية وإثراء الحياة الأدبية في بنغلاديش

ثلاثاء, 06/09/2026 - 09:18

بقلم: أحمد شوقي عفيفي 
 

 

تعد اللغة العربية من أعظم لغات العالم وأكثرها أثرا في مسيرة الحضارة الإنسانية، وقد ازدادت مكانتها رفعة حين اختارها الله تعالى لسانا لكتابه الكريم، فغدت لغة الوحي، ومفتاح العلوم الإسلامية، ووعاء التراث الفكري والأدبي للأمة الإسلامية. وقد عرفت بنغلاديش عناية مبكرة باللغة العربية منذ دخول الإسلام إليها، وظلت المؤسسات الدينية تؤدي دورا مهما في تعليمها ونشرها غير أن التطورات التربوية والفكرية في العصر الحديث أوجدت حاجة ملحة إلى تجديد أساليب تعليم العربية وتطوير مناهجها بما يواكب متطلبات العصر.
وفي هذا السياق برز الشيخ أبو طاهر مصباح بوصفه واحدا من أبرز رواد خدمة اللغة العربية في بنغلاديش. فقد جمع بين التعليم والتأليف والتربية والأدب، وأسهم في تطوير مناهج تعليم العربية، وتأليف الكتب الدراسية، وتنشيط الحركة الأدبية، وإعداد أجيال من الطلاب والباحثين المرتبطين بلغة القرآن الكريم.
ومن ثم فإن دراسة جهوده تمثل إضاءة على جانب مهم من مسيرة النهضة اللغوية الحديثة في بنغلاديش، وتكشف عن إسهامات أحد أبرز أعلامها في خدمة العربية وآدابها.

الشغف باللغة العربية ورؤيته الحضارية لها: 
لم يكن الشيخ أبو طاهر مصباح ينظر إلى اللغة العربية على أنها مجرد أداة لفهم النصوص الدينية أو وسيلة للتواصل اللغوي فحسب، بل كان يراها روحا نابضة في جسد الأمة الإسلامية، ولسانا خالدا حمل رسالة الوحي إلى العالمين، وحفظ عبر القرون تراث الأمة العلمي والفكري والحضاري. ومن هذا المنطلق ارتبط بالعربية ارتباط المحب العاشق، الذي يرى فيها مفتاحا لفهم الإسلام في صفائه الأول، وجسرا يصل الأجيال المعاصرة بمنابع المعرفة الأصيلة ومصادرها الأولى.
وكان يؤمن إيمانا راسخا بأن التمكن من اللغة العربية شرط أساس للتعمق في معاني القرآن الكريم والسنة النبوية، وأن الترجمة - مهما بلغت من الدقة والإتقان - تظل عاجزة عن نقل ما يزخر به النص العربي من ظلال بيانية وإيحاءات بلاغية وأسرار دلالية لا تتجلى على حقيقتها إلا لمن نهل من معين العربية الصافي وتذوق جمالها ووقف على دقائقها. ولذلك ظل يؤكد أن تعلم العربية لا ينبغي أن يختزل في اجتياز الاختبارات أو حفظ القواعد والمتون، بل هو رحلة معرفية ووجدانية يتفاعل فيها العقل مع اللغة، ويتذوق القلب جمالها، حتى تصبح أداة للفهم والتفكير والتعبير والإبداع. ومن هذه الرؤية الحضارية الشاملة انطلق في مشروعه الإصلاحي لتجديد تعليم العربية وإحيائها في نفوس الناشئة.

إسهاماته في إصلاح تعليم اللغة العربية: 
حين تأمل الشيخ أبو طاهر مصباح واقع تعليم اللغة العربية في مؤسسات التعليم الديني بشبه القارة الهندية أدرك أن ثمة فجوة واسعة بين دراسة القواعد اللغوية وبين القدرة الحقيقية على استخدام اللغة وفهمها. فقد كان كثير من الطلاب يقضون سنوات طويلة في دراسة النحو والصرف وحفظ مصطلحاتهما، ثم يخرجون وهم يملكون رصيدا من المعلومات النظرية، لكنهم يعجزون عن قراءة النصوص العربية قراءة سليمة، أو التعبير عن أفكارهم بلغة عربية فصيحة. ورأى أن هذا الخلل ناشئ عن هيمنة المنهج القائم على التلقين والحفظ، وإغفال الجانب التطبيقي الذي يكسب اللغة روحها وحيويتها. ومن هنا دعا إلى إعادة النظر في فلسفة تعليم العربية بحيث تنتقل من كونها مادة دراسية جامدة إلى لغة حية تمارس وتستخدم في الفهم والتواصل والتعبير. وقد تجسدت هذه الرؤية الإصلاحية في جهوده العلمية والتربوية ومؤلفاته التعليمية التي امتازت بالوضوح والسهولة وحسن التدرج. فقد عمل على تقريب العربية إلى أذهان الطلاب، وتبسيط مسائلها، وتقديمها في صورة جذابة تراعي خصائص البيئة البنغالية واحتياجات المتعلمين. وبفضل هذه الجهود تحولت دراسة العربية عند كثير من الطلاب من عبء ثقيل إلى متعة معرفية، ومن مادة جافة إلى عالم رحب يفتح أمامهم آفاق العلم والثقافة والحضارة.

المنهج المدني: مشروع نهضوي في تعليم اللغة العربية
إذا كان للشيخ أبي طاهر مصباح أثر خالد في ميدان تعليم اللغة العربية في بنغلاديش، فإن المنهج المدني يعد أبرز تجليات هذا الأثر وأعمقها تأثيرا. ولم يكن هذا المنهج مجرد مقررات دراسية أو تعديلات جزئية على مناهج قائمة، بل كان مشروعا تربويا متكاملا، ورؤية إصلاحية طموحة سعت إلى إعادة بناء تعليم العربية على أسس تجمع بين أصالة التراث وفاعلية الأساليب التربوية الحديثة. وقد انطلق هذا المشروع من إدراك عميق لطبيعة اللغة بوصفها كائنا حيا لا يزدهر بالحفظ المجرد ولا ينمو في أجواء التلقين الجامد، وإنما يكتسب حيويته من الممارسة والتفاعل والاستعمال. لذلك جعل المنهج المدني اللغة العربية محور العملية التعليمية وغايتها، فحرص على تنمية مهارات القراءة والكتابة والاستماع والمحادثة تنمية متوازنة حتى يتعامل الطالب مع العربية بوصفها لغة حياة وفكر وثقافة، لا مجرد مادة دراسية محدودة الأثر.
كما روعي في بناء هذا المنهج تدرج النمو العقلي والنفسي للطلاب، واختلاف مستوياتهم وقدراتهم اللغوية، فجاءت مقرراته التعليمية ميسرة العبارة، متقنة البناء، تراعي حاجات المتعلمين وتستجيب لمتطلبات العصر. وبذلك تحولت دراسة العربية في ظل هذا المشروع من عبء ثقيل يرهق الأذهان إلى تجربة معرفية ممتعة توقظ المواهب، وتنمي الملكات، وتغرس في النفوس محبة لغة القرآن الكريم. ولم يلبث هذا المنهج أن تجاوز حدود الفكرة النظرية ليصبح واقعا تعليميا ملموسا في عدد كبير من المؤسسات العلمية حيث أسهم في تخريج أجيال أكثر قدرة على فهم العربية والتفاعل معها، وأعاد الثقة بإمكان تطوير تعليمها وتيسير سبل تعلمها.

جهوده في تأليف الكتب التعليمية: 
ولئن كان المنهج التربوي هو الإطار العام لأي عملية تعليمية، فإن الكتاب المدرسي يظل أداتها الأكثر تأثيرا في صناعة المتعلم وتوجيه مساره المعرفي. ومن هنا أولى الشيخ أبو طاهر مصباح عناية خاصة بتأليف الكتب التعليمية إيمانا منه بأن نهضة تعليم العربية لا يمكن أن تتحقق من غير مقررات علمية تجمع بين سلامة المنهج وحسن العرض ووضوح المقصد. فألف عددا من الكتب التي أصبحت مع مرور الزمن من أبرز المراجع التعليمية في المؤسسات الدينية، ومن أشهرها هيا نتعلم العربية وهيا نتعلم الصرف وهيا نتعلم النحو. وقد تميزت هذه المؤلفات بقدرتها الفائقة على تبسيط القضايا اللغوية المعقدة، وتقديمها في صورة تربوية جذابة تراعي طبيعة البيئة البنغالية وخصائص المتعلمين فيها.
ولم يكن هدفه من هذه الكتب تلقين المعلومات أو حشد القواعد، وإنما بناء الملكة اللغوية لدى الطالب، وربطه باللغة ربطا وجدانيا وفكريا يجعله قادرا على فهم النصوص والتعبير عن أفكاره بلغة سليمة رصينة. ولهذا لقيت هذه المؤلفات إقبالا كبيرا من المعلمين والطلاب، وأسهمت في تكوين أجيال من الدارسين الذين وجدوا في العربية لغة يسيرة محببة بعد أن كانت تبدو لكثيرين لغة عسيرة المنال.

إسهاماته في إحياء الأدب العربي: 
ولم تقتصر جهود الشيخ أبي طاهر مصباح على تعليم اللغة العربية فحسب، بل امتدت إلى إحياء روح الأدب العربي في الأوساط العلمية والثقافية. فقد كان يرى أن اللغة لا تبلغ كمالها إلا بالأدب، وأن النصوص الأدبية الرفيعة هي التي تصقل الذوق اللغوي، وتهذب الحس البياني، وتكشف للدارس أسرار الجمال الكامنة في اللغة. ومن هذا المنطلق دعا إلى العناية بالأدب العربي قراءة وتذوقا وتحليلا، وحرص على تعريف الطلاب بعيون التراث الأدبي وروائعه الخالدة حتى ينهلوا من معين البلاغة والفصاحة، ويكتسبوا القدرة على فهم النصوص الرفيعة واستيعاب أبعادها الجمالية والفكرية. 

مجلة القلم: منبر للفكر والأدب
ومن أعظم إنجازاته الثقافية تأسيسه وإشرافه على مجلة القلم، التي غدت مع مرور الزمن واحدة من أبرز المنابر الفكرية والأدبية في البلاد. ولم تكن هذه المجلة مجرد دورية ثقافية، بل كانت مدرسة فكرية متكاملة أسهمت في صناعة الوعي، وإحياء الاهتمام باللغة والأدب، وتعزيز ثقافة القراءة والبحث والكتابة. ومن خلال صفحاتها احتضنت المجلة طائفة واسعة من الدراسات العلمية والمقالات الأدبية والبحوث الفكرية، فأسهمت في تكوين جيل من الكتاب والباحثين الذين وجدوا فيها فضاء رحبا للتعبير والإبداع. كما لعبت دورا مهما في ربط القراء بتراثهم العلمي والثقافي، وتعريفهم بقضايا الفكر الإسلامي واللغة العربية وآدابها.

مكانته التاريخية في مسيرة اللغة العربية في بنغلاديش: 
إذا كانت النهضات العلمية تقاس بما تحدثه من تحولات في العقول، وبما تنشئه من أجيال تحمل رسالتها وتواصل مسيرتها، فإن الشيخ أبا طاهر مصباح يعد من أبرز الشخصيات التي تركت بصمتها الواضحة في تاريخ العربية المعاصر في بنغلاديش. فقد جاء في مرحلة كانت اللغة العربية فيها تعاني جملة من التحديات التعليمية والمنهجية، فحمل همها، وأخلص لها فكره وقلمه وجهده حتى غدت رسالته جزءا من مسيرة النهوض بها وإحياء مكانتها. ولم يكن أثره محصورا في قاعات الدرس أو صفحات الكتب، بل تجاوز ذلك إلى بناء مشروع علمي وثقافي متكامل جمع بين إصلاح المناهج، وتأليف الكتب، وإحياء الأدب، وصناعة الوعي اللغوي، وتكوين جيل جديد من المحبين للعربية والناهضين بخدمتها. فكان أشبه بغارس شجرة مباركة، لم يقتصر همه على غرسها، بل تعهدها بالرعاية حتى أينعت وأثمرت، ثم امتدت ظلالها إلى آفاق واسعة من الحياة العلمية والثقافية. ومن هنا لا ينظر إلى جهوده على أنها جهود فردية متفرقة، بل هي حلقة بارزة في سلسلة النهضة اللغوية الحديثة في بنغلاديش، وإسهام نوعي أسهم في إعادة الاعتبار للعربية بوصفها لغة علم وفكر وأدب وحضارة. ولذلك يستحق أن يذكر في سجل رواد العربية الذين جمعوا بين الرؤية والبصيرة، وبين الفكر والعمل، وبين التأصيل والتجديد.

لقد كرس الشيخ أبو طاهر مصباح حياته لخدمة اللغة العربية، وجعل من نشرها وتعليمها رسالة حملها بعلم وإخلاص ومثابرة. فأسهم في تطوير مناهجها، وتأليف كتبها، وإحياء آدابها، وتربية أجيال ارتبطت بلغة القرآن الكريم حبا وفهما وعملا. ولم تقتصر جهوده على تعليم القواعد والألفاظ، بل سعت إلى ترسيخ مكانة العربية بوصفها لغة علم وثقافة وحضارة. ومن ثم غدا أثره ممتدا في المؤسسات التعليمية والأوساط العلمية والثقافية.