
انعقدت يوم السبت 18 صفر 1448هـ/01 أغسطس 2026غ. بمقر مجلس اللسان العربي ندوة حول:«اللسان والإنسان... العلاقة بين اللغة العربية والوئام المجتمعي»، ترأسها معالي الأستاذ صو آدما صمبا، الوزير السابق، وشارك فيها عن بُعد كل من الدكتور غنمي عمرو سعيد من بوركينا فاسو، والدكتور محمد زين الدين عبد المؤمن من غانا، إلى جانب الأستاذ محمد الأمين الفاضل، وتولت الدكتورة نزيهة اليدالي تقرير الندوة.
افتتحت الندوة بكلمة للشيخ الخليل النحوي، استهلها بالتنويه بالحضور والترحيب بضيوف المجلس وأعضاء المنتدى، ثم اتخذ من العلاقة بين اللسان والإنسان مدخلًا لتأمل مكانة اللغة في تكوين الإنسان ووظيفتها في بناء المجتمع.
وانطلق الشيخ الخليل من قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، مبرزا ما تنطوي عليه هذه الآيات من دلالة على الصلة الوثيقة بين الإنسان والبيان، ومشيرا إلى أن الله سبحانه وتعالى امتن على الإنسان بنعمة اللسان، كما جعل اختلاف الألسنة من آياته.
وتوقف عند قصة خلق آدم عليه السلام، معتبرا أن تعليم آدم الأسماء كلها يمثل شاهدًا على مركزية البيان في تكوين الإنسان، وعلى ارتباط اللسان بالتكليف وتحمل الأمانة والاستخلاف في الأرض.
واستحضر في هذا السياق ما قرره علماء الأصول من مراتب الوجود: الوجود في الأذهان، والوجود على اللسان، والوجود بالبنان، والوجود بالعيان، مبينا أن ثلاثة من هذه الوجودات ترتبط باللسان أو بأدوات التعبير، وهو ما يكشف، في نظره، عن المكانة المركزية للغة في تحديد ماهية الإنسان.
وأكد الشيخ الخليل أن اللغة ليست مجرد وعاء للأفكار، وإنما تصنع الإنسان كما يصنعها الإنسان، وتشكل وعيه ورؤيته للكون من حوله، وتؤدي وظيفة جوهرية في وصل المنفصل وربط المتباعد؛ فهي تصل الإنسان بعالمه الخارجي، وتربط عالمه الداخلي بعالمه الخارجي، كما تصل الماضي بالحاضر والحاضر بالمستقبل.
ومن هذا المنطلق، أبرز خصوصية اللغة العربية، معتبرا أنها تتميز بقدرة استثنائية على وصل الحاضر بالماضي، وحفظ الصلة بين الأجيال المتعاقبة وتراثها، وتجاوز حواجز الزمان والمكان، فضلًا عن قدرتها على الربط بين الأبعاد الحسية والمعنوية.
وأفرد رئيس المجلس جانبا مهما من كلمته للحديث عن الحضور الإفريقي للغة العربية، مؤكدًا أنها ليست لغة طارئة على القارة، بل ذات عراقة ممتدة وحضور بشري وجغرافي وعلمي عميق، مستحضرا نماذج من كبار العلماء والمصلحين الأفارقة الذين ارتبط إنتاجهم العلمي والثقافي بالعربية، ومنهم الحاج عمر الفوتي، والحاج مالك سي، والشيخ أحمد بامبا، والشيخ إبراهيم نياس، والشيخ موسى كامارا، والحاج محمود با.
وأوضح أن العربية أدت في إفريقيا وظيفة تتجاوز التواصل اللغوي إلى الوصل بين الأعراق والمكونات والمناطق والثقافات، وأسهمت في استيعاب المختلف وتأليفه، حتى أصبحت في سياقات إفريقية عديدة لغة جامعة تتجاوز الانتماءات الضيقة.
وأشار إلى نماذج من حضور العربية في القارة، ومن توظيف الحرف العربي في كتابة بعض اللغات الإفريقية، ومن مواقف إفريقية رأت في العربية عنصرا من عناصر الهوية والتواصل، مؤكدا أن خصوصية العربية في إفريقيا تستحق مزيدا من العناية والبحث.
وربط الشيخ الخليل هذه الوظيفة التاريخية بموضوع الندوة، مؤكدا أن البحث في علاقة العربية بالوئام المجتمعي في إفريقيا، وفي موريتانيا على وجه الخصوص، ينطلق من واقع تاريخي وثقافي جعل العربية أداة من أدوات الربط والوصل والتأليف بين المختلفات،
واستشهد بتجارب من بوركينا فاسو وتشاد، مبرزا أن العربية يمكن أن تكون لغة مشتركة للتواصل بين مكونات دينية واجتماعية مختلفة، وليست شأنًا خاصًا بفئة دينية أو إثنية بعينها.
كما استعرض تجربة له في مؤتمر إفريقي لوزراء التربية، وما دار فيه من نقاش حول المدارس القرآنية وأطفال الشوارع، مؤكدًا أن معالجة قضايا التعليم لا تكون بالفصل بين مكونات المنظومة التعليمية، وإنما بفهم اختيارات المجتمع والعمل على المواءمة بين مساراته التعليمية بما يحفظ الهوية ويحقق أهداف الدولة والمجتمع.
وأكد أن المدرسة مشروع مجتمع، وأن قيام مشاريع تربوية متوازية لا تتواصل فيما بينها قد يؤدي إلى التدابر، وربما إلى التصادم، داعيا إلى المواءمة بين البرامج التعليمية وتمكين اللغة العربية حيث توجد الحاجة إليها.
كما استحضر تجربة تشاد، مشيرا إلى موقف نائب من جنوب البلاد، غير مسلم، طالب بأن يشمل تعليم العربية المناطق الجنوبية أيضًا، باعتبار العربية لغة تواصل جامعة بين مكونات المجتمع التشادي المختلفة، في دلالة على تجاوز العربية في بعض البيئات الإفريقية حدود الانتماء الديني إلى وظيفة اجتماعية وتواصلية أوسع.
وشهدت الندوة مشاركتين عن بُعد للدكتور غنمي عمرو سعيد من بوركينا فاسو، والدكتور محمد زين الدين عبد المؤمن من غانا، تناولا خلالهما واقع اللغة العربية في بلديهما، وما تشهده من حضور في المجال التعليمي والمجتمعي، وما يمكن أن تؤديه من أدوار في تعزيز التواصل والوئام بين مكونات المجتمع.
وأبرزت المداخلتان، في سياق الندوة، أهمية النظر إلى التجارب الإفريقية في تعليم العربية وحضورها الاجتماعي بوصفها تجارب جديرة بالتأمل والاستفادة، خصوصا في البيئات متعددة المكونات والثقافات.
وفي مداخلته تناول الأستاذ محمد الأمين الفاضل الدور الذي يمكن أن تؤديه اللغة العربية في تعزيز الوئام المجتمعي، منطلقا من أن الوئام مقصد رفيع من مقاصد الإسلام، بما رسخه من قيم الأخوة والوحدة والتعاون والإصلاح بين الناس ونبذ العصبية والظلم.
وأكد أن العربية بالنسبة للمسلم ليست مجرد لغة من اللغات، بل هي لغة القرآن والشريعة والعبادة، وأن تمكين المسلم من فهم القرآن والسنة والقيم الإسلامية يجعل للعربية موقعًا محوريًا في منظومة القيم التي تسهم في بناء الوئام.
وانتقل إلى التجربة الموريتانية، مستعرضا ما اعتبره حضورا تاريخيا للعربية في مختلف مكونات المجتمع قبل الاستعمار، بوصفها لغة للتعامل والتوثيق الشرعي، قبل أن يتناول التحولات التي طرأت على المشهد اللغوي مع الاستعمار، وما نتج عنها من فصل بين العربية وبعض اللغات الوطنية ومحاولة ربطها بمكوّن اجتماعي دون غيره.
وحدد الفاضل جملة من المداخل العملية التي يرى أنها ضرورية لتحقيق الوئام المجتمعي، في مقدمتها إصلاح الإدارة، ومحاربة الفساد، وإصلاح التعليم، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ دولة القانون، وحماية حقوق المستهلك.
وأكد أن إصلاح الإدارة يقتضي تحسين خدماتها ومخاطبة المواطن بلغته الرسمية، وأن محاربة الفساد تستلزم رقابة شعبية فعالة على المال العام والصفقات العمومية، كما ربط إصلاح التعليم بإعطاء العربية المكانة التي تستحقها، معتبرًا أن التنمية وإصلاح التعليم شرطان أساسيان للانسجام الاجتماعي.
وشدد على ضرورة وجود سياسة لغوية واضحة ومعلنة تطبق على الجميع، وعلى أن الوحدة الوطنية لا تُبنى على الغموض في القضايا المرتبطة بالهوية، وإنما على الوضوح والقانون والاحترام المتبادل.
وفي حديثه عن دولة القانون، استحضر المادة السادسة من الدستور الموريتاني التي تنص على أن العربية لغة وطنية ورسمية، داعيا إلى عدم التعامل الانتقائي مع أحكام الدستور.
كما تناول حقوق المستهلك، مؤكدا أن المواطن ينبغي أن يفهم العقود والفواتير والوثائق التي تترتب عليها التزامات مالية، وأن مخاطبته باللغة الرسمية التي يفهمها جزء من ضمان حقوقه.
وختم مداخلته بالتأكيد على أن الحديث عن العربية ليس حديثا عن انتصار لغة على لغة أو مكوّن على مكوّن، وإنما هو بحث عن أفضل السبل لتعزيز الوحدة الوطنية والوئام الاجتماعي، مع التأكيد على أن اللغات الوطنية الأخرى تمثل ثراء ثقافيا وحضاريا ينبغي الحفاظ عليه وتطويره.
وتناول معالي الأستاذ صور آدما صمبا تجربة المرحوم الحاج محمود با، مستندا إلى معرفته الشخصية به وتلمذته عليه، مقدما شهادته بوصفها وفاءا لرجل رأى فيه صاحب مشروع إصلاحي وحضاري متكامل.
وأكد أن الحاج محمود با لم يكن معلما تقليديا يقتصر همه على تعليم القراءة والكتابة، وإنما كان يرى أن إصلاح المجتمع يبدأ بإصلاح الإنسان، وإصلاح الإنسان يبدأ بالعلم.
وأوضح أن العربية احتلت موقعًا محوريا في مشروعه الإصلاحي، باعتبارها لغة القرآن ولسان السنة والجسر الذي يصل المسلم بمصادر دينه وتراثه، ولذلك جعل تعليمها جزءًا أساسيًا من مشروعه لبناء الإنسان.
ولفت العناية إلى تجربة مدارس الفلاح، التي قال إنها لم تكن مجرد مؤسسات للتعليم، بل مدارس لبناء الشخصية، تجمع بين تعليم القرآن الكريم واللغة العربية والفقه والتربية وغرس قيم الأخوة والتضامن والانضباط، إلى جانب إرسال بعثات من الطلاب إلى البلاد العربية والديار المقدسة لتحصيل العلم والعودة لخدمة أوطانهم.
ورأى أن الحاج محمود با كان يصنع العلماء قبل أن يبني المدارس، وأن مشروعه الإصلاحي التقى في جوهره مع تجارب إصلاحية أخرى قامت على التعليم والتربية وبناء الإنسان ومحاربة الجهل والخرافة.
وأكد صو آدما صمبا أن الحاج محمود با كان يرى العربية عامل وحدة لا عامل تفرقة، لأنها لغة القرآن التي يجتمع حولها أبناء مختلف المكونات الوطنية، ولذلك لم يوجه مشروعه إلى فئة بعينها، بل احتضن مختلف مكونات المجتمع، وأسهم في تخريج علماء ودعاة وقادة وإداريين من خلفيات متنوعة، يجمعهم العلم والانتماء إلى الإسلام ولغة القرآن.
وخلص إلى أن العربية عند الحاج محمود با لم تكن مجرد لغة، وإنما كانت مشروعا حضاريا وأخلاقيا وإنسانيا؛ بها تُفهم رسالة الإسلام، وبها تُبنى جسور التواصل، وتُغرس قيم التسامح والوحدة والتكافل، مستخلصًا من تجربته أن المدرسة يمكن أن تكون أداة للإصلاح، والعلم وسيلة لبناء الإنسان، والعربية لغة للوحدة لا للفرقة.
وعقب المداخلات، شارك عدد من الأساتذة والباحثين والمشاركين في النقاش، مؤكدين في مجمل مداخلاتهم ضرورة الدفع باللغة العربية وتعزيز حضورها في المناهج التعليمية، والنظر إلى تمكينها بوصفه جزءا من الجهود الرامية إلى بناء الإنسان وتعزيز التواصل والوئام داخل المجتمع.
وتأتي هذه الندوة في نطاق الدورة السابعة للمنتدى العام للمجلس، التي قدم فيها الرئيس تقريرا عن مناشط وبرامج المجلس، وناقش على ضوئه المنتدى جملة من القضايا المدرجة في جدول الأعمال.




