
نظم مجلس اللسان العربي بموريتانيا صباح السبت 20 ذو الحجة 1447هـ، الموافق 6 يونيو 2026م، ندوة علمية بعنوان: «التمكين للغة العربية في وسائل التواصل الاجتماعي.. تجارب وآفاق»، بحضور ممثلين عن السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، وسلطة تنظيم الإشهار، إضافة لنخبة من الأساتذة والباحثين وصناع المحتوى المهتمين بالشأن اللغوي والثقافي.
وافتتحت الندوة بكلمة لرئيس مجلس اللسان العربي الشيخ الخليل النحوي، رحب فيها بالمحاضر والمشاركين والحضور، مؤكدا أن موضوع اللغة العربية في الفضاء الرقمي لم يعد قضية ثقافية محضة، بل أصبح قضية هوية وحضور حضاري ومشاركة في صناعة المعرفة والتأثير في العصر الرقمي. واستعرض في كلمته جملة من المؤشرات التي تعكس تنامي حضور العربية في الشابكة العنكبوتية ومنصات التواصل الاجتماعي، مشيرا إلى أن المحتوى العربي شهد نموا متسارعا خلال العقود الأخيرة، وأن العربية باتت تحتل مراتب متقدمة في عدد من المنصات العالمية، وهو ما يعكس اتساع دائرة مستخدميها وإدراك المؤسسات التقنية الكبرى لأهمية السوق الناطقة بالعربية.
وأوضح النحوي أن هذا التقدم لا ينبغي أن يحجب التحديات القائمة، وفي مقدمتها انتشار الأخطاء اللغوية وضعف العناية بسلامة العربية في كثير من المحتويات الرقمية، فضلا عن شيوع اللغة الهجينة التي تمزج العربية بغيرها من اللغات على نحو يضعف من حضورها الطبيعي ويؤثر في نقاء الخطاب الموجه للأجيال الصاعدة. كما توقف عند ما تتيحه التقنيات الحديثة، ولا سيما تطبيقات الذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية وتحويل النصوص إلى أصوات، من فرص واعدة لخدمة العربية وتسريع إنتاج المحتوى الرقمي بها، داعيا إلى الإفادة من هذه التحولات التقنية في تعزيز مكانة اللغة العربية وتوسيع مجالات استخدامها.
وأدار الندوة الأستاذ الشيخ محمد محمود الشنقيطي، الذي هيأ لموضوعها على مستوى علمي رفيع، قبل أن يفسح المجال لمحاضرة عن "الوعي اللغوي في وسائل التواصل الاجتماعي بموريتانيا" قدمها الدكتور المختار الغوث، الأستاذ سابقا بجامعة طيبة بالمدينة المنورة، الذي تناول في محاضرته مفهوم الوعي اللغوي وعلاقته بالهوية والثقافة والانتماء الحضاري، مبينا أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما هي الحامل الأبرز للثقافة والذاكرة الجماعية والقيم التي تشكل شخصية الإنسان والأمة. وأكد أن اعتزاز الشعوب بلغاتها هو في جوهره اعتزاز بذاتها وهويتها، وأن العلاقة بين اللغة والعقل علاقة وثيقة تجعل من اللسان ترجمانا للفكر وأداة لتشكيل الوعي.
وتناول المحاضر واقع اللغة العربية في المجتمع الموريتاني، متوقفا عند مظاهر الحضور القوي للفرنسية في بعض المجالات الإدارية والتعليمية والاجتماعية، ومبينا أن كثيرا من مظاهر الانصراف عن العربية لا تعود إلى قصور فيها، وإنما إلى ارتباط التعليم والوظيفة والمكانة الاجتماعية بلغات أجنبية، وهو ما جعل شرائح واسعة من الناس تنظر إلى تلك اللغات بوصفها طريقا إلى الترقي الاجتماعي والاقتصادي. وشدد على أن تعلم اللغات الأجنبية ضرورة معرفية وثقافية لا غنى عنها، غير أن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب اللغة العربية أو أن يتحول إلى استلاب ثقافي أو شعور بالدونية تجاه اللغة الوطنية.
واستحضر الدكتور المختار الغوث تجارب دول عديدة نجحت في بناء وحدتها الوطنية حول لغة جامعة رغم تنوعها اللغوي، متوقفا عند التجربة الفرنسية على وجه الخصوص، ومبينا أن الدول التي تبحث عن القوة والوحدة والتماسك تجعل من اللغة المشتركة ركيزة أساسية في مشروعها الحضاري. كما دعا إلى ربط العربية بمختلف مجالات الحياة والتعليم والإدارة والاقتصاد، حتى تستعيد مكانتها الطبيعية لغة للمعرفة والعمل والتواصل العام.
وقد أثرت الندوة بمداخلات وتعقيبات متعددة قدمها عدد من الأساتذة والباحثين وصناع المحتوى، تناولت واقع العربية في المنصات الرقمية، وأهمية صناعة محتوى عربي جاذب وذي جودة عالية، وسبل توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في خدمة اللغة، كما ناقشت ظاهرة اللغة الهجينة في الفضاء الرقمي، وضرورة بناء بيئات لغوية داعمة للأطفال والناشئة، وتعزيز حضور العربية في المؤسسات التعليمية والإدارية والإعلامية.
وفي تعقيبه الختامي، جمع رئيس مجلس اللسان العربي خيوط النقاشات التي شهدتها الندوة، مؤكدا أن الدفاع عن العربية لا يعني الانغلاق عن اللغات الأخرى أو معاداة تعلمها، وإنما يقتضي امتلاك لغة جامعة تحفظ الهوية الوطنية وتوحد الفضاء الثقافي والمعرفي للمجتمع. واستعرض عددا من التجارب الدولية التي أولت لغاتها الوطنية عناية خاصة وجعلتها أساسا لمشاريعها الحضارية، كما أشار إلى مؤشرات إيجابية يشهدها الواقع الموريتاني من تزايد استخدام العربية في بعض الخدمات والوثائق والإجراءات الإدارية، وفي تواصل عدد من المؤسسات والشركات مع المواطنين.
كما نبه إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في النصوص والقوانين وحدها، وإنما في بناء وعي مجتمعي راسخ بقيمة اللغة ومكانتها، وفي تجاوز حالة الافتتان باللغات الهجينة أو استبطان الشعور بتفوق لغة على أخرى، داعيا إلى اعتماد عربية سليمة وميسرة وقريبة من الناس، قادرة على أداء رسالتها في التعليم والإعلام والتواصل الرقمي، ومؤكدا أن مستقبل العربية في الفضاء الرقمي يظل رهينا بمدى قدرة أهلها على تحويل الاعتزاز بها إلى عمل ومحتوى ومبادرات ومشاريع حقيقية تخدمها وتوسع حضورها في مختلف مجالات الحياة.



