صناعة الكتاب الصوتي العربي.. ندوة في "معلم"

أحد, 05/10/2026 - 01:53

احتضن مقر مجلس اللسان العربي بموريتانيا صباح السبت 22 ذو القعدة 1447هـ الموافق 9 مايو 2026م، ندوة علمية متخصصة تحت عنوان: "صناعة الكتاب الصوتي العربي... تجارب وتوجهات"، جمعت نخبة من الأساتذة، والأكاديميين، والخبراء، والمهتمين بالتحول الرقمي في الثقافة العربية.

​ترأس الجلسة الأستاذ الحسن مولاي علي، حيث رحب بالحضور وأحال الكلمة إلى الشيخ الخليل النحوي، رئيس مجلس اللسان العربي، الذي قدم مدخلا تمهيديا تأطيريا، أصل فيه لموضوع الندوة، مشيرا إلى أنها مناسبة لإجراء قدح بهدف وضع إطار منهجي وتحديد التوجهات الأساسية لمشروع المجلس الهادف إلى إعداد كتب صوتية عربية. وأشار النحوي في تمهيده إلى أن السمع هو منبع المعرفة ووعاء الوحي الأول، وأن العناية بالكتاب الصوتي ليست مجرد مواكبة تقنية، بل هي عودة إلى "أصل التلقي" في الحضارة الإنسانية عامة والإسلامية خاصة، ولذلك قرن اللـه بين السمع والعلم في آيات كثيرة. ​كما نبه إلى مركزية السمع في القرآن الكريم، مؤكداً أن المتدبر في الآيات يجد أن السمع قُدم على البصر في 18 موضعاً، ولم يتقدم البصر على السمع إلا في موضعين، وقال إن الحقائق العلمية البيولوجية تؤكد اليوم أن حاسة السمع تصبح وظيفية عند الإنسان وهو جنين في بطن أمه، بينما تبدأ حاسة البصر ضعيفة وضبابية بعد الولادة ولا تكتمل إلى في فترة تمتد من أشهر إلى سنوات. وقال إن حاسة السمع تعمل حتى في حال النوم، بخلاف حاسة الإبصار، وأنها تعمل في جميع الاتجاهات لا في اتجاه واحد، وتخترق الحواجز، وتعمل في الظلام.

​واستذكر أن الرسالة الخاتمة بدأت بـ "اقرأ"، وكانت القراءة المطلوبة في البدء "قراءة مسموع"؛ حيث تلقى النبي ﷺ الوحي سماعاً وبلغه سماعاً، مؤكداً أن هذه الأمة هي أمة "صدور" قبل أن تكون أمة "سطور"، فأناجيلها في صدورها كما ورد في الحديث، وفي القرآن، بقوله تعالى: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم).

واستعرض رحلة تطور الكتاب الصوتي منذ اختراع الفونوغراف عام 1877م، وقال إنه إلى غاية القرن العشرين لم تكن الاسطوانة تستوعب من التسجيلات الصوتية أكثر من 4 دقائق، وتطورت التقنية شيئا فشيئا وصولا إلى العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي الذي أتاح تخزين مكتبات كبرى في "رقائق" صغيرة تُحمل في الجيب. كما استشهد بدراسات تبين مدى تطور هذا المجال؛ فعدد الكتب الصوتية عام 2011 تضاعف عشر مرات في عام 2017، وقد بلغت تجارة الكتاب الصوتي في أمريكا عام 2023 نحو ملياري دولار وهي في تطور مستمر، أما عالميا فتشير الإحصائيات إلى أن سوق الكتاب الصوتي بلغ نحو 9 مليارات دولار عام 2024، ويُتوقع أن يصل إلى 35 ملياراً عام 2030، وبمعدل نمو يقدر بـ 25% سنويا، مما يدل على انتشاره الكبير. بينما تشير الإحصائيات إلى أن تجارة الكتاب الصوتي في الشرق الأوسط وإفريقيا بلغت عام 2024 ما يزيد على 630 مليون دولار، ويُتوقع أن تصل عام 2030 إلى ملياري دولار، بنسبة نمو تقارب 13%.

​وذكر أن المحتوى الروائي يهيمن على الكتاب الصوتي، مما يشير إلى أن المحتوى اللغوي لا يزال متوارياً، إلا أنه في الفترة الأخيرة قُطعت أشواط مهمة على المستوى العربي، وقال إن حجر الأساس في الكتاب الصوتي العربي هو المصحف المرتل الذي ظهر لأول مرة بتلاوة الشيخ محمود خليل الحصري عام 1961م. ومن التطورات اللافتة مؤخرا أن مجمع اللغة العربية في الشارقة شرع في تحويل "المعجم التاريخي للغة العربية" المكون من 127 مجلدا ورقيا إلى كتاب صوتي تفاعلي، مشيدا بالدور الذي أداه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في هذا الصدد بإسناد مبادرة إصدار أول معجم تاريخي للغة العربية ينجز بمشاركة المجامع اللغوية والعلمية العربية.

وفي السياق ذاته، استعرض الأستاذ الدكتور ببهاء بديوه تصورا أوليا لمشروع المجلس للكتاب الصوتي العربي، مؤكدا أنه يمثل حلا مثاليا لاستغلال الأوقات ونشر المعرفة عبر تحويل النصوص الجامدة إلى تجارب مسموعة حية بأصوات احترافية. وقد رصد خريطة الإنجازات العربية عبر منصات رائدة، مشيرا إلى أن الإنتاج الصوتي في علوم اللغة ركز أساسا على المتون العلمية التقليدية والكتب التعليمية المعاصرة. كما قدم قائمة مقترحات لتعزيز المكتبة الصوتية الموريتانية بمؤلفات في النحو والصرف والأدب والبلاغة تفتقر إليها المكتبة العربية حاليا، مشددا في ختام تصوره على ضرورة الالتزام بأعلى معايير الجودة الصوتية والسلامة اللغوية والدقة الإعرابية لضمان مصداقية المحتوى.

​وقد شارك في الندوة المفتش الأستاذ محمد محمد عالي ممثلا للمعهد التربوي الوطني الذي تربطه اتفاقية شراكة مع المجلس، حيث تفتح هذه الندوة أفقا جديدا لتعزيز تلك الشراكة، وخاصة في مجال تسجيل الكتب المدرسية، أو منتخبات منها.

 

وقد ​شهدت الندوة نقاشا ثريا حول آليات صناعة الكتاب الصوتي، حيث انقسمت آراء الأساتذة والخبراء إلى تيارين:

• ​تيار "الأتمتة والذكاء الاصطناعي": وقد عرض فيه الأستاذ أحمد مزيد عبد الحق البوني نموذجا أُعد مسبقاً بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وكان على مستوى عال من المهنية والسلامة اللغوية، واستدل بذلك على وجاهة الاعتماد الواسع على تقنيات الذكاء الاصطناعي مع وجود "مدققين بشريين" لضبط النص والسلامة اللغوية وتوجيه نموذج الذكاء الاصطناعي، معتبرا أن هذا التوجه كفيل بالمساهمة في سد الفجوة الكبيرة في المحتوى الصوتي العربي واختصار الجهد المالي والزمني، والتغلب على عدد من الصعاب التي كانت تعرض لمستخدمي الشبكة والتقنيات الرقمية.

• ​تيار "الأنسنة والاعتماد على العنصر البشري": وحذر عدد من الأساتذة المتدخلين من غياب "الروح" في الصوت الآلي، وتحريف الصيغ وأسماء الأعلام، والتحفظ القانوني في محاكاة أصوات واقعية، وغياب الإحساس والتفاعل الوجداني مع النص، مشددين على أن الكتاب الصوتي ليس مجرد "نطق" بل هو "فن أداء" يتطلب دقة وانفعالات بشرية وتلوينات صوتية قد لا تدركها الخوارزميات، داعين إلى قصر هذه الصناعة على الأصوات البشرية المتمكنة حصراً.

 

​خلصت الندوة إلى ضرورة إيجاد "معايير جودة" تزاوج بين سرعة التقنية وجمالية الأداء، لضمان تقديم محتوى صوتي عربي رصين يواكب العصر ويحافظ على هوية اللغة وجمالها، مع التأكيد على دور الكتاب الصوتي في خدمة طلبة العلم والمكفوفين وتسهيل المعرفة لجيل "الأجهزة الذكية". وأوصى المشاركون في الندوة بإقامة هيئة وطنية لنشر الكتاب الصوتي وبالتنسيق في هذا الصدد بين المجلس وعدد من الجهات ذات العلاقة.