
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي وكاتب بنغلاديشي
إن المتأمل في تاريخ المجتمع البنغلاديشي وثقافته يلحظ بوضوح أن مسيرة هذا المجتمع قد تشكلت عبر تفاعل حضاري متعدد الأبعاد، أسهمت فيه لغات وثقافات شتى غير أن اللغة العربية ظلت تحتل مكانة فريدة ومتميزة لما حملته من بعد ديني وروحي وثقافي عميق. فلم تكن العربية في بنغلاديش لغة وافدة عابرة، بل جاءت حاملة رسالة حضارية متكاملة، فترسخت جذورها في وجدان المجتمع، وأصبحت جزءا من ملامح هويته الثقافية والفكرية. وقد ارتبطت هذه اللغة بعقيدة المسلمين في هذه البلاد، وتداخلت مع أنماط تفكيرهم، وامتد أثرها إلى نظم التعليم، وميادين الثقافة، ومظاهر الحياة الاجتماعية حتى غدت عنصرا أصيلا من عناصر التكوين الحضاري للمجتمع البنغلاديشي.
ويرتبط حضور اللغة العربية في بنغلاديش ارتباطا وثيقا بانتشار الإسلام في هذه الأرض. فقد شهدت بلاد البنغال منذ القرون الهجرية الأولى وصول التجار العرب والدعاة والمتصوفة الذين حملوا معهم رسالة الإسلام، وأقاموا جسور التواصل مع السكان المحليين بروح إنسانية سامية. ولم يقتصر دور هؤلاء الوافدين على النشاط التجاري أو التفاعل الاجتماعي، بل أسهموا في نشر القيم الدينية، وترسيخ المبادئ الأخلاقية، وتعريف الناس باللغة العربية بوصفها لغة القرآن الكريم ومفتاح العلوم الإسلامية. ومع مرور الزمن أخذت المساجد والخوانق ومجالس العلم تتكاثر في أنحاء البلاد، فكانت هذه المؤسسات منارات علمية وروحية أسهمت في غرس اللغة العربية في وجدان المجتمع، ومن ثم ترسيخ مكانتها في الحياة الثقافية والدينية.
وقد تعمقت جذور اللغة العربية في المجتمع البنغلاديشي بفعل ارتباطها الوثيق بالحياة الدينية اليومية للمسلمين. فالصلاة، وتلاوة القرآن الكريم، والأذكار، والأدعية، والخطب، وسائر الشعائر التعبدية، جميعها تؤدى باللغة العربية، الأمر الذي جعل هذه اللغة حاضرة في وجدان الناس منذ مراحلهم الأولى. فالأطفال في القرى والمدن على السواء يتعرفون إلى الحروف العربية في سن مبكرة، ويتلقون مبادئ التلاوة في الكتاتيب ومجالس التعليم الأولي حيث يمتزج التعليم الروحي بالتكوين اللغوي، فتتشكل لدى الناشئة علاقة وجدانية مع العربية، لا بوصفها لغة للتعلم فحسب، بل باعتبارها لغة الإيمان والعبادة والروح.
ولم يقتصر حضور العربية على التعليم الديني التقليدي، بل امتد إلى المؤسسات التعليمية النظامية حيث أصبحت اللغة العربية جزءا من المنظومة التعليمية في آلاف المدارس الدينية، التي تدرس فيها علوم العربية وآدابها إلى جانب علوم التفسير والحديث والفقه. وفي هذه البيئة العلمية، لم تعد العربية مجرد وسيلة لفهم النصوص الدينية، بل غدت لغة للبحث والتفكير والتحليل، ووسيلة للانفتاح على التراث الإسلامي الزاخر بالمعارف والعلوم. كما شهدت الجامعات البنغلاديشية تأسيس أقسام متخصصة في اللغة العربية وآدابها حيث يعنى الباحثون بدراسة اللغة العربية دراسة أكاديمية رصينة، وإجراء البحوث العلمية التي تسهم في تطوير هذا المجال، وتعزيز حضور العربية في المشهد الثقافي والفكري في البلاد.
وهكذا، ظلت اللغة العربية عبر القرون تنمو في تربة المجتمع البنغلاديشي، وتتشعب جذورها في ميادين الدين والثقافة والتعليم حتى أصبحت جزءا من الذاكرة الحضارية لهذا المجتمع، وعنوانا من عناوين هويته الروحية والثقافية، ومظهرا من مظاهر تفاعله العميق مع الحضارة الإسلامية في أبعادها المختلفة.
وقد تجلى أثر اللغة العربية في المجتمع البنغلاديشي تجليا واضحا في نسيج اللغة البنغالية ذاتها حيث تسربت إلى مفرداتها اليومية كلمات عربية كثيرة، فأصبحت جزءا أصيلا من التعبير اللغوي والثقافي للمجتمع. فمفردات مثل إيمان، عمل، دنيا، آخرة، سلام، دعاء، رحمة، بركة، حلال، حرام، عبادة، تقوى، نية، ذنب، وغيرها تتردد على ألسنة الناس في حياتهم اليومية، وتستخدم في الخطاب الاجتماعي كما تستخدم في المجال الديني مما يعكس عمق التأثير العربي في الوجدان اللغوي للبنغاليين. وهكذا لم تبق اللغة العربية حبيسة النصوص الدينية أو المؤسسات التعليمية، بل امتدت إلى الحياة اليومية حتى أصبحت جزءا من الهوية اللغوية والثقافية للمجتمع.
كما يتبدى حضور اللغة العربية في الحياة الثقافية في بنغلاديش حضورا لافتا ومؤثرا حيث تشكل العربية ركنا أساسيا في مجالات متعددة من الأناشيد الإسلامية، والحمد والنعت، وتلاوة القرآن الكريم إلى المجالس العلمية، والمواعظ الدينية، والكتابات الإسلامية. وفي المؤتمرات الدينية واللقاءات الثقافية والمناسبات العامة يظل صوت العربية حاضرا في الأدعية، وتلاوات القرآن، والخطب في مشهد يعكس عمق ارتباط المجتمع البنغلاديشي باللغة العربية بوصفها لغة الروح والعبادة والمعرفة. كما أسهمت حركة التأليف والترجمة، والكتابات البحثية في توثيق الصلة بين المجتمع البنغلاديشي واللغة العربية، وتعزيز حضورها في الفضاء الثقافي والفكري.
وقد كان للعلاقات الدولية دور مهم في اتساع دائرة اللغة العربية في بنغلاديش، إذ يعمل عدد كبير من أبناء هذا البلد في دول العالم العربي مما جعل العربية وسيلة تواصل ضرورية، وأداة مهمة للاندماج المهني والاجتماعي. ومن ثم ازداد اهتمام الناس بتعلم اللغة العربية، لا بوصفها لغة دينية فحسب، بل باعتبارها لغة فرص وآفاق جديدة. كما يتجه كثير من الطلاب البنغلاديشيين إلى الجامعات العربية في المملكة العربية السعودية ومصر وقطر والكويت وغيرها طلبا للعلم والمعرفة. ثم يعودون إلى بلادهم حاملين زادا علميا ولغويا يسهم في نشر العربية وتعزيز حضورها في المجتمع.
ومع تطور العصر الرقمي دخلت اللغة العربية مرحلة جديدة من الانتشار في بنغلاديش حيث أسهمت الوسائط الرقمية، ومنصات التعليم الإلكتروني، ووسائل التواصل الاجتماعي، في تقريب اللغة العربية إلى شرائح واسعة من المجتمع. وظهرت مبادرات تعليمية حديثة، وقنوات معرفية متخصصة، ومراكز تعليم لغوي تعتمد أساليب معاصرة مما أتاح للأجيال الجديدة فرصا أوسع لتعلم العربية، وأدى إلى تنامي الاهتمام بها بصورة ملحوظة.
ولا يقتصر حضور اللغة العربية في بنغلاديش على بعدها الديني، بل يتجاوز ذلك إلى البعد الثقافي والفكري حيث تعد العربية مفتاحا لفهم التراث الإسلامي، ووسيلة للولوج إلى كنوز الفكر الإسلامي، والآداب العربية، والتاريخ الحضاري للأمة الإسلامية. ومن ثم أقبل الباحثون والأكاديميون على تعلم العربية، وبرز عدد من العلماء البنغلاديشيين الذين كتبوا باللغة العربية، وأسهموا في إثراء المكتبة العربية، وشاركوا في المحافل العلمية الدولية مقدمين صورة مشرقة عن الحضور العلمي لبنغلاديش في العالم العربي.
وقد بلغت جذور اللغة العربية في المجتمع البنغلاديشي من العمق والامتداد ما جعلها تتجاوز حدود التعليم والمؤسسات لتصبح جزءا من الهوية الاجتماعية والثقافية. ففي التحيات اليومية، والمناسبات الدينية، والأعياد الإسلامية تتردد العبارات العربية في وجدان الناس مثل السلام عليكم، إن شاء الله، الحمد لله، ما شاء الله، عيد مبارك، وغيرها من التعابير التي أصبحت جزءا من النسيج الثقافي والاجتماعي.
وهكذا تبدو جذور اللغة العربية في المجتمع البنغلاديشي أعمق من أن تختزل في مجرد امتداد تاريخي للماضي، إذ تحولت هذه اللغة إلى حضور حي ينبض في واقع المجتمع، ويؤسس لآفاق مستقبلية واعدة. فقد غدت العربية جزءا من الوعي الثقافي والروحي، وعنصرا فاعلا في تشكيل الهوية الفكرية والحضارية للمجتمع البنغلاديشي حيث امتد أثرها إلى مجالات التعليم، والثقافة، والحياة الاجتماعية، فصارت ملامحها حاضرة في وجدان الناس وسلوكهم وتطلعاتهم.
ومن ثم فإن اللغة العربية في بنغلاديش ليست إرثا تاريخيا فحسب، بل هي طاقة حضارية متجددة تسهم في بناء الحاضر واستشراف المستقبل، وتمنح المجتمع البنغلاديشي عمقا ثقافيا وروحيا متصلا بجذوره الإسلامية والحضارية. وستظل العربية بما تحمله من قيم معرفية وروحية تؤدي دورا محوريا في مسيرة التطور الحضاري للمجتمع البنغلاديشي حافظة لهويته، وموسعة لآفاقه، وموصلة إياه بفضائه الثقافي والحضاري الأوسع في العالم الإسلامي



