
احتضن مجلس اللسان العربي بموريتانيا، صباح السبت غرة ذي القعدة 1447هـ/ الموافق 18 أبريل 2026غ، ندوة علمية لتقديم وقراءة كتاب «الأبنية الشرطية اللاواقعية (مقاربة لسانية عرفنية)» للدكتور محمد عبد الودود أبغش، بحضور نخبة من الأساتذة والباحثين.
استهل الندوة الشيخ الخليل النحوي، رئيس مجلس اللسان العربي، بكلمة رحب فيها بالأساتذة والحاضرين على مائدة ثمرات الأوراق في هذا الشهر المضمخ بعطر النبوة، شهر أبريل/نيسان، على عتبة ذكرى مولد النبي المعلم حامل الرسالة الخاتمة، رسالة القراءة والكتاب، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. وثمّن الكتاب موضوع الندوة ومؤلفه الذي اخترق صفوف الفرسان المتسابقين ليفوز بجائزة الكتاب العربي في دورته الثانية.
ونبه إلى أن من قرأ الكتاب سيصافح على صفحاته أعلاما أجنبية كثيرة زاحمت كتف المؤلف أكتافهم في الحديث عن نظريات وأطروحات مستحدثة، ذات صلة بالأبنية الشرطية اللاواقعية، مشيرًا إلى أنه لا ضير في استيراد تلك النظريات والأطروحات، لأن الكسب الإنساني كلأ مباح متاح ومشترك، لكنه مع ذلك، يسجل بتقدير ما في الكتاب من لمحات تأصيل، حيث اجتهد الكاتب في تبيئة هذه المادة لا بالنظر فقط إلى الحلة العربية البهية التي ألبسها إياها، ولكن أيضا بما برز من وعي المؤلف وحذره من الوقوع في “فخ الإسقاط” وما شابهه من فخاخ "جرائم الفكر"، وفق تعبيره. واستعرض رئيس المجلس نماذج من توظيف النص القرآني في تحليل الأبنية الشرطية اللاواقعية، من قبيل قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا}، {أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَٰلِدُون}، {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْعَٰبِدِينَ}، هذا إلى جانب استدعائه للأدب العربي من شعر وقصص، بما يعكس سعيا حميدا للتأصيل والتبيئة. وأكد أن هذا الكتاب يمثل لبنة محلية في مجال اللسانيات تنبع من هذا البلد وتشع خارجه، واصفًا إياه بأنه “كتاب رائد في مجاله”.
أدار أعمال الندوة الأستاذ الدكتور أحمد حبيب الله، الذي أشاد بالمؤلف وكتابه، منوها بأهمية الموضوع في تجديد الدرس اللساني العربي.
وفي مداخلته، قدّم الأستاذ الدكتور يحيى البراء قراءة علمية معمقة للكتاب، أبرز فيها قيمته المعرفية وإسهامه في تحليل الأبنية اللّاواقعية، مبيّنا أن العمل يعكس تفاعلًا مع قضايا مركزية في اللسانيات الحديثة، خاصة ما يتعلق بطبيعة الجملة ومعايير تحديد معناها بين البنية والصدق والإنجاز التداولي. كما توسّع في بيان تعدد مستويات التحليل داخل الجملة، ودور المحددات الدلالية والإنجازية في توجيه الفهم، مع الإشارة إلى أهمية نظريات العوالم الممكنة والفضاءات الذهنية في تأطير هذه القضايا.
من جهته، قدّم الأستاذ الدكتور عبد الله السيد عرضا وصفيا تحليليا للكتاب، استعرض فيه بنيته وتقسيماته ومنهجه، مشيرا إلى اعتماده على نظرية الفضاءات الذهنية ونظرية المزج التصوري، وإلى جمعه بين العمق النظري والتطبيق على نصوص عربية متنوعة. كما أبرز ارتباط المقاربة العرفنية بالمقاربة التداولية، منبها إلى تداخل المدارس اللسانية، ومشيدا بجهد المؤلف في تبيئة هذه النظريات بلغة عربية واضحة، مع تسجيل ملاحظات نقدية بناءة تدعو إلى توسيع الجانب التطبيقي وتعميق بعض القضايا الاصطلاحية.
أما مؤلف الكتاب الدكتور محمد عبد الودود أبغش، فقد عبّر في كلمته عن شكره لمجلس اللسان العربي وللمشاركين، منوها بأهمية هذه اللقاءات العلمية في تنشيط البحث وتبادل الأفكار. وقدّم عينة شاهدة من كتابه، موضحا أن الأبنية اللّاواقعية تنشئ عوالم ذهنية متخيّلة تُبنى فيها المعاني قبل أن تنعكس على الخطاب الواقعي، ومبرزا أهمية التمييز بين أدوات الشرط والفروق الدلالية المرتبطة بها. كما توقف عند قضايا لغوية مثل إشكالية المصطلح والترجمة، مؤكدا ضرورة الدقة في نقل المفاهيم، وداعيًا إلى التفاعل النقدي مع العمل بما يثري البحث العلمي.
واختتمت الندوة بكلمة للأستاذ الخليل النحوي عبّر فيها عن تقديره لما شهدته من نقاش علمي ثري، مؤكدا أن مثل هذه المجالس تمثل فضاء حيا لاستثارة الفكر وتجديد الصلة بالمعرفة، ومشيرا إلى أن الجملة العربية تتسع لقراءات متعددة، داعيا إلى توسيع أفق النظر وعدم حصر التحليل في زاوية واحدة. كما نوّه بما تحمله الأبنية اللّاواقعية من قدرة على إعادة تشكيل الواقع والتخفيف من وطأته، مشيدا بجهود المؤلف والمداخلين والحضور.
وشهدت الندوة مداخلات وتعقيبات لعدد من الأساتذة الحاضرين، أثنوا فيها على قيمة الكتاب وأصالته، وتناولوا موضوعه من زوايا متعددة، مؤكدين أهمية هذا النوع من الدراسات في تطوير البحث اللساني العربي وتعميق صلته بالمقاربات الحديثة.




